ابن كثير

54

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فيهم رجل فقيه . فلما رأى ما يصنعون عمد إلى ما يعرف من كتاب اللّه فكتبه في شيء لطيف ثم أدرجه ، فجعله في قرن ثم علق ذلك القرن في عنقه ، فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض : يا هؤلاء إنكم قد أفشيتم القتل في بني إسرائيل فادعوا فلانا فأعرضوا عليه كتابكم ، فإنه إن تابعكم فسيتابعكم بقية الناس وإن أبى فاقتلوه ، فدعوا فلانا ذلك الفقيه فقالوا : أتؤمن بما في كتابنا هذا ، قال : وما فيه ؟ اعرضوه علي فعرضوه عليه إلى آخره ، ثم قالوا : أتؤمن بما في كتابنا هذا ؟ قال : نعم آمنت بما في هذا وأشار بيده إلى القرن فتركوه فلما مات فتشوه فوجدوه معلقا ذلك القرن ، فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب اللّه فقال بعضهم لبعض : يا هؤلاء ما كنا نسمع هذا أصابه فتنة ، فافترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة ، وخير مللهم ملة أصحاب ذي القرن » قال ابن مسعود : وإنكم أوشك بكم إن بقيتم أو بقي من بقي منكم أن تروا أمورا تنكرونها لا تستطيعون لها غيرا ، فبحسب المرء منكم أن يعلم اللّه من قلبه أنه لها كاره . وروى أبو جعفر الطبري « 1 » حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال : جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود فقال : يا عبد اللّه هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر ، فقال عبد اللّه : هلك من لم يعرف قلبه معروفا ولم ينكر قلبه منكرا . إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم ، وقالوا نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب ، فمن آمن به تركناه ، ومن كفر به قتلناه ، قال فجعل رجل منهم كتاب اللّه في قرن ثم جعل القرن بين ثندوتيه ، فلما قيل له أتؤمن بهذا ؟ قال آمنت به ويومئ إلى القرن بين ثندوتيه « 2 » ، وما لي أؤمن بهذا الكتاب ؟ فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن . وقوله تعالى : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فيه إشارة إلى أن اللّه تعالى يلين القلوب بعد قسوتها ويهدي الحيارى بعد ضلتها ، ويفرج الكروب بعد شدتها ، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل ، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل ، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل ، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال ، والمضل لمن أراد بعد الكمال ، الذي هو لما يشاء فعال ، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال ، اللطيف الخبير الكبير المتعال .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 681 . ( 2 ) الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة .